محمد ابو زهره

10

خاتم النبيين ( ص )

وإنه لا يمكن معرفة الكون على حقيقته إلا بالإيمان بمن أنشأه ، وإن الأديان السماوية تدعو إلى معرفة المنشىء مما أنشأه ، ومعرفة الخالق من المخلوق ، فهي تدعو إلى دراسة الخلق لمعرفة من أنشأه . تدعو إلى دراسة الكون ، وتعرّف مظاهره لمعرفة من وراء هذه المظاهر ، ولم يكن ذلك شأن الدارسين للكون في الماضي ، ولا من يدرسون مظاهره المجردة في الحاضر ، وإنما يهمنا الماضي الذي كان قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، وما كان عليه الوجود . 3 - تلك كانت حال العقيدة في الفلسفة الأيونية ، والفلسفة اليونانية التي ورثتها ، ولما جاء سقراط زعيم هذه المدرسة وكبيرها ، أراد أن ينزل بالفلسفة من السماء إلى الإنسان ، ودعا إلى ترك البحث عما وراء الطبيعة ومظاهرها ، وأراد أن يعمل ما يجدى وما ينفع في السلوك الإنسانى ، بدل أن يهيم فيما وراء الطبيعة من غير هاد يهدى ، ولا مرشد يرشد . أخذ يدرس نظام التعامل الإنسانى ، ومقياس الفضيلة الذي يميزها عن الرذيلة ، ليميز به الحق من الباطل ، وخطأ السلوك واستقامته ؛ ليعرف ما هو فاسد وما هو صالح . ودعا إلى ذلك ، واختلف هو وتلاميذه ، فمن قائل إن القياس هو المعرفة وهو ما اختاره سقراط ، ومن قائل إنه الحكمة والعدالة والشجاعة والعفة . والفضائل كلها ترجع إلى هذه العناصر ، وقد اختار ذلك أفلاطون ، ومن قائل إنه اللذة أو المنفعة ، فما هو نافع ، ولو نفعا شخصيا فهو خير ، وما لا نفع فيه فهو شر ، ومن قائل إن الخير وسط بين رذيلتين . وهكذا كانت المتاهات العقلية في إدراك أسس التعامل الإنسانى ، كالحيرة في معرفة العقيدة الصحيحة ، فالعقل لم يستطع أن يصل إلى قانون التعامل المستقيم ، كما لم يصل إلى إدراك سر الوجود ، بل كان يهيم في نظريات من غير أن يصل إلى حقائق ثابتة . وفي وسط ذلك الديجور ظهرت السوفسطائية التي تشكك في حقائق الوجود ، فمنهم من أنكرها ، ومنهم من شك في كل شئ ، ومنهم من قال إن الحق في الأشياء هو ما يعتقده كل امرئ في ذات نفسه ، وتسمي العندية ، فليس للأشياء حقيقة ، وإنما الأمر فيها إلى اعتقاد وجودها . وهكذا كان الضلال المبين بسبب الاعتماد على العقل المجرد في وسط تلك الفلسفة التي لا تهدى ، بل يضل فيها الفكر ، كما يضل الساري في ظلمات الليل . المجوسية : 4 - ولو غادرنا اليونان ومن سبقوهم إلى الفرس ومن وراءهم فإنا واجدون عجبا ، فإنا نجد بجوار الفلسفة اليونانية التي سرت إليهم فلسفة أخرى ، أرادت أن تنظم التعامل الإنسانى وتحل مشكلة أصل